المتابعون

05/09/2019

توني كليف- الثورة والثورة المضادة

توني كليف - «الثورة والثورة المضادة»

ينخرط الثوريون في كافة جوانب النضال العمالي. لذا فهم ينغمسون بعمق في نضال النقابات. وينظر الإصلاحيون إلى حركة الطبقة العاملة كحركة تنقسم إلى مجالات مختلفة ومنفصلة عن بعضها البعض: هي النضال الاقتصادي، وهذه مهمة النقابات، والسياسة، بمعنى المشاركة في الانتخابات البرلمانية والحكم المحلي، وهذه مهمة الأحزاب الإصلاحية. وفي مواجهة ذلك ينظر الماركسي إلى الطبقة العاملة ككل واحد، أي طبقة تستخدم سلاحين في النضال، هما السلاح الاقتصادي والسلاح السياسي.
وعموما، فإن هذا الفصل الحاد بين النضال الاقتصادي والنضال السياسي غريب بالنسبة لماركس. فالمطلب الاقتصادي إذا كان جزئيا، يعرفه ماركس كمطلب “اقتصادي”. لكن لو امتد نفس المطلب على مستوى الدولة يصبح “سياسيا”.
“إن محاولة العمال في مصنع معين أو حتى في صناعة معينة أن يفرضوا يوم عمل أقصر على رأسماليين أفراد عبر الإضرابات، الخ، تعد حركة اقتصادية خالصة. ومن ناحية أخرى، فإن تحرك العمال لكي يفرضوا على مستوى المجتمع مثلا قانون ثماني ساعات عمل تعد حركة سياسية، بمعنى أخر، هي حركة الطبقة بهدف فرض مصالحها بصورة شاملة، بشكل له طابع القوة الجبرية الاجتماعية الشاملة … إن كل حركة تخرج فيها الطبقة العاملة كطبقة ضد الطبقات الحاكمة وتحاول إجبارها على شئ بالضغط عليها من الخارج هي حركة سياسية.”
في كثير من الحالات لا تؤدي النضالات الاقتصادية (الجزئية) إلى نضالات سياسية (على مستوى الطبقة ككل)، ولكن لا يوجد انفصال مطلق بين الاثنين، وكثير من النضالات الاقتصادية تتسع فعلا إلى نضالات سياسية. إن تجربة روسيا في ١٩٠٥، حيث كانت الإضرابات الجماهيرية بمثابة محرك الثورة، قدمت بعدا جديدا لفهم الارتباط الوثيق بين النضالات السياسية والاقتصادية. وقد أوضحت روزا لوكسمبرج أنه في الفترات الثورية تتحول النضالات الاقتصادية إلى نضالات سياسية، والعكس بالعكس:
“إن الحركة لا تسير في اتجاه واحد فقط، ولكنها تسير أيضا في الاتجاه المعاكس، فكل تحرك سياسي جماهيري كبير، عندما يصل إلى ذروته، ينتج عنه سلسلة من الإضرابات الاقتصادية الكبيرة. وهذه القاعدة لا تنطبق فقط على الإضرابات الجماهيرية وحدها، ولكنها تنطبق على الثورة ككل. فمع انتشار ووضوح النضال السياسي واحتدامه، لا ينكمش النضال الاقتصادي، بل على العكس ينتشر ويصبح أكثر تنظيما وحدة في نفس الوقت. فهناك تأثير متبادل بين كلا شكلي النضال، وكل هجوم وانتصار جديد للنضال السياسي يفتح المجال واسعا أمام العمال لتحسين أوضاعهم ويعزز رغبتهم في القيام بذلك، يقوي في نفس الوقت روحهم القتالية. وبعد كل موجة صعود في الحركة السياسية، تترسب تربة خصبة تنبت فيها آلاف النضالات الاقتصادية، والعكس صحيح.
إن الذروة المنطقية والضرورية للإضراب الجماهيري هي “الانتفاضة العلنية التي لا يمكن تحققها إلا كتتويج لسلسلة من الانتفاضات الجزئية التي تمهد لها الطريق، ولذلك تكون (هذه الانتفاضات الجزئية – المترجم) عرضة لأن تنتهي لبعض الوقت على ما يبدو وكأنها “هزائم” جزئية، فكل منها تبدو كما لو كانت “غير ناضجة”، ولكن ما أروع الزيادة في الوعي الطبقي التي تنتج عن الإضرابات الجماهيرية! في حالات الجزر والمد العنيفة للموجة الثورية يعتبر أغلى شئ هو نمو الوعي البروليتاري لأنه الأكثر دواما، إن تقدم المستوى الثقافي للبروليتاريا في شكل قفزات يعد ضمانة راسخة لتقدمها المقبل في الصراعات السياسية والاقتصادية التالية.”
من الخطأ الشديد أن نستنتج مما سبق عدم وجود اختلاف نوعي وجوهري بين الحزب وبين النقابات. ويعد هذا ضروريا بالذات في بلاد مثل إندونيسيا حيث النقابات ما زالت في بداية تكونها والحد الفاصل بين الاثنين غالبا ما يكون شديد الغموض. لقد وضع شعار النقابات في بريطانيا في القرن التاسع عشر كما يلي: “أجر يوم عادل مقابل عمل يوم عادل”. أما هدف الثوريين، أي الاشتراكيين، هو إلغاء نظام الأجور، أي التخلص من مجتمع يضطر فيه بعض الناس إلى بيع قوة عملهم لآخرين يشترونها. ومن الواضح أنه طالما بقيت الرأسمالية فنحن نفضل الأجور المرتفعة على الأجور المنخفضة، ولكن اختلاف الهدف يظل قائما.
إن النقابات تجند أعضاءها على أسس مختلفة تماما عن الحزب الثوري. فالحزب الثوري يجند أولئك الذين يتفقون أيديولوجيا مع مبادئه، بينما تهدف النقابات إلى تجنيد كل العمال، سواء كانوا ثوريين أو إصلاحيين أو محافظين. فالنقابات تزداد قوتها لو انضم إليها العمال المحافظون تحت الضغط الإيديولوجي لكل العمال الآخرين. وعلى العكس، لا يجب أن يضعف الحزب الثوري عضويته بضم أشخاص لا يتفقون مع آرائه السياسية. إن حركة النقابات تشبه البلطة الثلمة ولكنها كبيرة الحجم. أما الحزب الثوري فيشبه البلطة الحادة حتى ولو كانت صغيرة نسبيا. قارن لينين بين دور الماركسي الثوري ودور المسئول النقابي قائلا:
“لأن مسئول أي نقابة، لنقل الإنغليزية مثلا، دائما يساعد العمال في شن النضال الاقتصادي، فهو يساع

ليست هناك تعليقات: